السيناريست عماد النشار يكتب: فن عشق القراءة


ليست القراءة مجرد تصفح صفحات، بل هي فنٌ راقٍ وعشقٌ صامت يربطنا بعوالم لم نعشها، وأفكار لم نكن لندركها لولا الكلمات التي تنبض بالحياة بين السطور.
تقول الكاتبة آني ديلارد: "لِمَ عسانا نقرأ، إن لم يكن لنكشف عن الجمال بصورته البِكر، أن نختبر الحياة ونحلّق في رحابها، أو نغوص في أعماق مآسيها؟".
نعم فالقراءة ليست فعلًا بسيطًا نمارسه في أوقات الفراغ، بل هي انغماس في جوهر الحياة، بحث عن المعنى وسط الفوضى، ومقاومة للصمت الذي يحيط بنا حين تعجز الكلمات عن التشكل.
اقرأ أيضاً
السيناريست عماد النشار يكتب: أنقذوا الطبيب محمود قنيبر قبل أن نفقده للأبد!
السيناريست عماد النشار يكتب: الحقّ ينتصر بذاته وبأدواته
السيناريست عماد النشار يكتب: سَنَوَاتٌ بِلَا بَرَكَةٍ.. وَعَاصِفَةٌ عَلَى كُلِّ الطُّرُقِ
السيناريست عماد النشار يكتب: إحنا آسفين يا زمان!
السيناريست عماد النشار يكتب: قَطَايفُ سَامِحٍ وَقِطَّةُ مِهْسَاسٍ
السيناريست عماد النشار يكتب: العَالَمُ يُدَارُ بِمِقْيَاسِ بُرُوكْرِسْت
هل يهدد الذكاء الاصطناعي عرش الأدباء؟ OpenAI تحدث ثورة في الكتابة الإبداعية
السيناريست عماد النشار يكتب: إلى ربات ”الروبوت”!
السيناريست عماد النشار يكتب: العالم في حالة هذيان.. الجنون يجتاح السياسة والمجتمع والإعلام
السيناريست عماد النشار يكتب: زينب بنت جحش: بين أمر السماء واختبار القلب
السيناريست عماد النشار يكتب: شَهْرُ الفَرَحَةِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
السيناريست عماد النشار يكتب: مدارس الزعيم الأباصيري للأخلاق الحميدة!
نقرأ لأننا نبحث عن مجد الأيام التي عشناها أو تلك التي لم نعشها بعد، لأننا نحتاج إلى صبغةٍ دراميةٍ تُلهمنا وتُضيء أركان عقولنا بالحكمة والشجاعة، ولأننا نريد أن نؤمن بأن لكل شيء مغزى، حتى وإن بدا العالم عبثيًا. الكلمات، حين تسردها روح كاتب متقدة، تُصبح أكثر من مجرد حبر على ورق، بل أبوابًا تُفتح على آفاق لا نهائية من الإدراك والتأمل، تُحرك فينا ما هو أبعد من المشاعر العابرة، تُوقظ الأسئلة النائمة في أعماقنا، وتعيد صياغة رؤيتنا للأشياء. كم مرة أعدنا قراءة نص شعري فالتفتنا إلى معانٍ جديدة لم ندركها في المرة الأولى؟ وكم مرة كان كتاب معين هو نقطة التحول التي غيرت مجرى أفكارنا؟
نحن نقرأ لنجد أنفسنا في شخص آخر، لنجد شخصًا يمكننا أن نتحدث إليه حين لا نجد من يسمعنا. الكلمات تشبه الطرقات الممتدة نحو عوالم أخرى، تمضي بنا حيث لم نتوقع، تسحبنا من مقاعدنا وتلقي بنا في أعماق تاريخ بعيد، أو بين أروقة فلسفة لا تزال تتساءل عن سر الوجود. نقرأ "الجريمة والعقاب" لنشعر بثقل الصراع الأخلاقي، ونغوص في "مائة عام من العزلة" لنعيش أزمنة تتشابك فيها الحقيقة بالأسطورة. نلمس الألم في رسائل دوستويفسكي، ونشعر بوحدة كامو وهو يواجه عبثية الوجود في "الغريب". كل صفحة هي مفتاح، كل فصل هو باب يفتح على أفق مختلف، حيث يتحول الحبر إلى جسور تعبر بنا من واقع محدود إلى عوالم لا حد لها.
من بين السطور، نلتقط الكلمات كما لو كانت نثرات ضوء تتسرب عبر الشقوق، نملأ بها فجوات وعينا، نعيد بها رسم ملامح الحياة كما نريدها أن تكون. القراءة تمنح العقل تمرينًا مستمرًا، تجعل الذاكرة أكثر قوة، والخيال أكثر رحابة، وتُعيد ترتيب أفكارنا كما لو كنا ننسج نسيجًا جديدًا لوعينا.
وكما أن الجسد يضمر إن لم يتحرك، فإن العقل يبهت إن لم تغذّه الكتب، تلك الكتب التي كلما ازداد عمقها، ازداد معها إدراكنا. قد نقرأ "فن الحرب" لنتعلم الاستراتيجية، أو "التاريخ السري" لنتأمل في مسارات السياسة والسلطة، وقد نجد في أعمال نجيب محفوظ انعكاسًا لحياتنا اليومية، رغم مرور الزمن.
في لحظات الوحدة، قد تكون صفحة واحدة كافية لمنحنا رفقة لا تضاهى، حين نجد في الحروف بريقًا يشبه أرواحنا، كأن الكاتب يكتب عنا، عما لم نقله، عما نشعر به دون أن نعرف كيف نعبّر عنه.
نكتشف داخل النصوص أصواتًا أخرى، نسمع همسات التاريخ، نتحسس نبضات شخصيات لم توجد قط إلا على الورق، لكنها تصبح أكثر واقعية من وجوه نراها كل يوم. من منا لم يشعر بأن بطل رواية ما يعكس جزءًا من روحه؟ من منا لم يجد في خطاب كاتب مجهول في القرن الماضي رسالة شخصية موجهة إليه؟ القراءة ليست مجرد متعة عابرة، إنها تلك الرعشة التي تصيبنا حين ندرك فجأة أن ثمة من فهمنا قبل أن ندرك نحن أنفسنا ما الذي يجتاحنا.
نجد في القراءة ملاذًا، مهربًا من ضجيج الأيام، تلك اللحظة التي ننعزل فيها عن العالم لنصبح أكثر اتصالًا به.
إنها الفضاء الهادئ وسط عاصفة الحياة، حيث نصغي لصوت غير مرئي يروي لنا شيئًا نحتاجه دون أن نعرف لماذا.
بين الحروف تتسلل الحكمة، تمتزج بنا دون جهد، وتغرس فينا بذورًا لا نلحظ نموها إلا حين نفاجأ بأننا أصبحنا مختلفين، أوسع أفقًا، أعمق فهمًا، وأكثر قدرة على رؤية العالم بعين أخرى. وكما تخيل خورخي لويس بورخيس، فإن الجنة قد لا تكون سوى مكتبة لا نهاية لها، حيث الكلمات لا تموت أبدًا، بل تظل تنتظر قارئًا يمنحها حياة جديدة كل مرة.
قد يكون الكتاب نافذتنا الأولى نحو اكتشاف ذواتنا، وقد يكون وسيلتنا لإيجاد الأجوبة التي نظن أنها غير موجودة.
وفي النهاية، ربما تكون القراءة هي أعظم أشكال المقاومة، حيث نحارب الجهل بالفهم، والضياع بالبحث عن المعنى، ونحافظ على نبض الإنسانية حيًا في عالم يتسارع نحو النسيان.