عاطف عسكر يكتب: في رثاء سيد القمني


إن شهرة المفكر ليست فقط محكومة بقدراته وإنتاجه، ولكن لها شروط أخرى (كالجنسية – والزمن – واللغة – والعلم عن حياته – وتأثيره الواقعي في حياة الناس)
من هذا الباب اشتهر إينشتاين ونيوتين وديكارت وكانط كرموز للحضارة والعلم ، لأنهم جمعوا بين كل تلك الشروط، أما من يفقد واحدة منها فاحتمال يموت مجهول أو على الأكثر يكون معروف فقط في بلده..
مشكلة مثقفين العرب هي في ثلاثة (الجنسية واللغة والتأثير) الأولى لأن الحضارة الأوربية اعتبرت نفسها وريثة حضارة الرومان الذين ورثوا حضارة اليونان بالضرورة، وبالتالي حضارة أوروبا وأمريكا المعاصرة هي امتداد لحضارة فيثاغورث وطاليس وأفلاطون..إلخ، بينما المحسوبين على الحضارة الإسلامية كابن الهيثم والخورازمي والفارابي وابن سينا لم ينالوا شهرة وامتداد هؤلاء ، رغم ابن الهيثم سبق نيوتين في علم البصريات والفيزياء وما زالت اختراعاته مسجلة بإسمه..لكن البشرية (مكسوفة) تعترف إن ابن الهيثم كان له السبق على نيوتين في عصر كان فيه العلم التجريبي يعني الكفر..خلافا لنيوتين اللي ظهر في عصر كان فيه العلم التجريبي مقبول جزئيا شريطة عدم مساسه بالمعتقدات..
طه حسين ونجيب محفوظ ظهروا في زمن (تقدم ليبرالي وتمدن) أنعش العرب طيلة القرن 20، وبرغم اتجاه الأول للكتابة الإسلامية آخر حياته والثاني للرمزية لكن اعتبروا من علامات النهضة الثقافية العربية وهذا صحيح، في حين سيد القمني ظهر في عصر (انحطاط وتخلف) سادت فيه الوهابية والجماعات السلفية منذ السبعينات فلم يأخذ حظه من الانتشار والتأثير ولم يُحسَب ضمن هؤلاء، وهنا يظهر عامل (الزمن) المؤثر على الكاتب..برغم أن عقل القمني كمؤرخ ومحلل فاق هؤلاء من جوانب.. وظل ملازم ليه حتى الآن منذ ظهوره في التسعينات..بينما طه حسين من بعد كتابه عن الشعر الجاهلي في العشرينات (طلّق) المنهج الديكارتي بالثلاثة وتوقف عن أسلوب الصدمات ليسلك مسلك جديد هو (الرمزية الأدبية) الذي ورثه معظم أدباء مصر بعد ثورة يوليو مخافة القمع وبطش الجنرالات..
تخيل دكتور القمني كان يكتب فيما ننقده الآن منذ التسعينات، وكان له السبق الفكري في تشريح والتعرض للجماعات من حيث (التنظيم والفكر) هذه مسألة شاقة جدا لمن يعلم، أنا شخصيا عندما أكتب عن الجماعات فعن أفكارها فقط..لأن تنظيمها وأفرادها لا يشغلوني..لكن عند القمني الوضع مختلف..جمع بين الإثنين في كتابين "الفاشيون والوطن" و "الجماعات من الداخل" الصديق العزيز ماهر فرغلي عكسي بحيث يشرح الجماعات من الداخل لكن لا يتعرض لأفكارها بعمق..وهذا هو تخصصه الذي برع فيه وأحييه جدا عليه..وبالتالي فمنهجية القمني فريدة من نوعها في وقت لم يأخذ حظه من التكريم وكانوا يستضيفوه في الإعلام بمنتهى الاستهتار لإهانته ووضع عقله الجبار ليحتك مع أغبياء وجهلة من العوام ورجال الدين..
تخيل مرة أخرى أن مراد وهبة يصفوه بفيلسوف مصر الأول رغم عدم إبداعه أي نظرية جديدة وتكراره لكلام ابن رشد في التأويل النصوصي فقط..علاوة على تكرار كلام فلاسفة الغرب في العلمانية، لكن القمني الذي أبدع موسوعات "تل العمارنة" "والإسرائيليات" و "انتكاسة المسلمين للوثنية" وشرّح بأسلوب فلسفي تاريخ الحضارات وجذور التشدد الديني لم يأخذ حظه من التكريم..
ليس انتقاصا من د مراد وهبة فهو متمرس ذو عقل مميز، لكن انتاجه الفكري النقدي لم يصل لما وصل إليه القمني من الوضوح والشجاعةوابتكار النظريات بموسوعية مذهلة في التاريخ والفلسفة والأنثربولوجي وعلم الحضارات..
مقال في حب الدكتور القمني الذي توفى منذ يومين رحمه الله..وبرغم خلافي مع الدكتور في بعض جزئيات العقيدة لكني أؤمن أن الرجل بمنتجه الفكري قدم نفسه كمفكر عبقري ومؤرخ شكوكي جمع بين أسلوب ديكارت العقلي ومعلومات ديورانت وتوينبي في السرد، وطالت أعماله النقدية جزئيات الإيمان التقليدي الذي رفضه الأشاعرة أيضا مما يدل على أنه كان مؤمنا لكن بشكل مختلف عن ما يعهده البعض..
أما الذين شمتوا في وفاة الدكتور فأكتفي بقولي لعبدالله الشريف (الصحابي عبدالله بن عباس أصيب بالعمى أيضا ياعبدالله أواخر حياته، عمر الدكتور سيد القمني 74 سنة كلها قراءة واطلاع فطبيعي أن تتأثر عينه ويموت بمرض طبيعي، ولا علاقة لذلك بغضب الله عليه، فلو غضب الله على من يسب الصحابة فالأولى أن يغضب على الطبري والبخاري والمحدثين الذين نقل القمني عنهم)..!!
الدولة التي تعرف قيمة القمني تصنع له تمثالا تقديرا لتضحياته وعيشه أغلب حياته مفكرا خائف من نتيجة قلمه، وأكرر ..لك الحق بالخلاف معه ونقده وشخصيا انتقدته في بعض أعمالي ..لكن ليس لك الحق بإنكار تأثير الرجل الإيجابي في حركة التنوير الحالية التي سبق بها رموز كثيرة بمنهجية ثابتة لم تتغير..لأن ببساطة..التحدي اللازم لتلك المنهجية لم يتغير..